صحيفة عاجل الإلكترونية
مقالات الرأي

مقال رأي

الجمع الحاشد في الرد على عبد الرحمن الراشد

استضاف برنامج «سقراط»، الذي يقدمه عمر الجريسي، الإعلامي السعودي البارز عبد الرحمن الراشد، في حوار مميز يستحق قراءة تتجاوز المتابعة العابرة وخصوصا من قبل العاملين في مجال الصحافة والإعلام. وسواء حمل حديثه رسائل سياسية أو اجتهادات شخصية، فإن مكانته وخبرته تجعل مساءلة آرائه ضرورة مهنية، خصوصًا للعاملين في الإعلام وهذا ما دفعني في إحدى محاضراتي على طلاب الماجستير مناقشتهم في هذا اللقاء.

ولعل الحكم الماجد على عبد الرحمن الراشد يبدأ من الملاحظة الأولى وهي من إدارة الحوار، فخبرة الراشد تستدعي محاورًا يمتلك ذاكرة مهنية تتيح ملاحقة الإجابات واختبار مقدماتها والإجابة على تلك الأسئلة التي تدور بفضول في عقلية الجمهور. وأتصور أن داود الشريان أو عبد الله المديفر كانا سيستخرجان إجابات تلبي هذا الفضل، وهذا تقدير لملاءمة الخبرات وليس انتقاصًا من مهنية الجريسي وبرنامجه المميز.

والحوار يحتاج لوقت طويل لسبر أغواره ومع ذلك فإن هذه المقالات ربما فقط تلقي الضوء على أهم ما دار في هذا الحوار، ولذا فأول نقطة أثارت تساؤلاتي هي وصفه للأزمة الحالية بأنها الأخطر على السعودية بسبب تعدد جبهاتها وهذا يحتاج إلى تدقيق، فعدد الجبهات لا يساوي بالضرورة حجم الخطر. ولعلني أتذكر ما جرى خلال حرب الخليج الثانية، حيث تسبب احتلال الكويت في وجود جيش نظامي عراقي قرب الحدود السعودية، وتعرضت الخفجي للتهديد ومدن المملكة للصواريخ حيث ضربت الرياض بالصواريخ. ومن وجهة نظري فإن هذه الأزمة الحالية أعقد لتنوع مصادر التهديد واحتمال امتدادها لكن اعتبارها أخطر يستلزم مقارنة القدرات والنوايا والخسائر المحتملة والجاهزية الدفاعية والدعم الدولي، فالتعقيد الاستراتيجي وحده لا يحسم ترتيب الأزمات من حيث الخطورة، والسعودية اليوم ليست السعودية في الماضي لا على مستوى العتاد ولا على مستوى العدة.

وفي الملف اليمني أعاد حديث الراشد طرح السؤال الأهم بالنسبة للسعودية وهو هل يقترب الخطر الحوثي من نهايته، أم تتراجع قدراته مؤقتًا؟ إذ أن إضعاف الجماعة لا يعني انهيار سلطتها كما أن توحيد القوات المناهضة لها لا يضمن استقرار اليمن. لعني أشير إلى أن مصلحة الرياض والمنطقة تتجاوز دخول صنعاء، إلى قيام دولة يمنية قادرة على ضبط السلاح وحماية حدودها، حتى لا تنتهي جولة عسكرية وتبدأ أخرى. ومن المنظور نفسه، ينبغي تقييم المصالحة مع إيران بقدر ما تحققه من أمن للمملكة وخفض للتهديدات وعدم دعم الجماعات المتطرفة في المنطقة. ولذا فالتفاوض أداة لحماية المصالح ونجاحه يحتاج التزامات قابلة للتحقق واستعدادًا لاحتمال الإخلال بها وكم من مرة أخلت طهران بتعهداتها. أما تحقق بعض تحذيرات الراشد، فيدعمها بحدود ما أثبتته الوقائع، ويُبقي بقية توقعاته مفتوحة للمراجعة والنقد.

ومن النقاط التي أثارت جدلا هو إشادته بعمل قناة الجزيرة وهو ما استدعى مدير قناة العربية ممدوح المهيني عبر منصة إكس اليوم الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ إلى نشر نص قال فيه "إن الراشد لم يقل أن الجزيرة أفضل من العربية وأن مغزى حديثه أن الجزيرة غيرت خطها التحريري وأصبحت أكثر اعتدلا وأصبحت تابعة للعربية". ومن وجهة نظري فإن إشادة الراشد بقناة الجزيرة تستدعي الخروج من دائرة اللمز والغمز والعاطفة إلى طرح سؤالا مهني وهو: هل تحسنت تغطيتها أم اقترب خطابها من موقفه؟. وربما حديث المهيني يتوافق مع هذا القول بأن الجزيرة أصبحت تشبه العربية. وبالمثل فإن تقييم قناة العربية يحتاج إلى العودة إلى بيانات الجمهور وتحليل المحتوى، إذ أن تعدد المحللين وحده لا يثبت التأثير.

ويمتد حديث الراشد إلى معيار الدقة في تقييم الإعلام السعودي، حيث تُقاس المهنية بسرعة تقديم المعلومة وصحتها وقدرتها على بناء الثقة. ومن هنا، فإن نقد تجاوزات المنصات أمر وجيه، لكنه يقتضي تمييز الإساءة من النقد المشروع، ومعالجة الفراغ المعلوماتي الذي يفتح الباب للتأويلات، ولعل وجود الفراغ المعلوماتي يجعل المغردين يكتبون ما يعتقدون.

بقي القول، إن الحديث ذو شجون وما ذكره الراشد يحتاج لفصول من التأمل والتفسير، وتبقى قيمة الحوار في الأسئلة التي يفتحها ويثيرها ويبحر فيها، والراشد بما يملكه من تجربة يستحق محاور يختبر حججه بقدر ما ينصت إليه، إذ أن احترام الخبرة يكتمل بمساءلتها، وقوة الرأي تظهر في قدرته على الصمود أمام النقد.

شارك المقال
حسن النجراني

متخصص في الإعلام والاتصال الإستراتيجي الدولي

حسن النجراني

أستاذ جامعي | مستشار| متخصص في الإعلام والاتصال الإستراتيجي الدولي

كل مقالاته

تابع القراءة

مقالات أخرى